header image
حكمة
    قال صلى الله عليه وآله وسلم:
    (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)
الاستفتاء
    كيف وصلت إلى هذا الموقع؟
مواضيع تستحق القراءة
التصنيفات
الأرشيف
روابط
حالة الطقس

آداب طالب العلم
7 أكتوبر,2015

تفريغ نصي لأبرز ما جاء في محاضرة … آداب طالب العلم، لفضيلة الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان، عضو هيئة كبار العلماء والأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن إهتدى بهديه وأتبع سنّته إلى يوم الدين. أما بعد،

 

قبل أن أشير إلى أبرز آداب طالب العلم، أقول إن العلم لا يعدله شيء لمن صحّت نيته كما قال الإمام أحمد. والعلم الذي وردت النصوص من الكتاب والسنة في الثناء عليه وعلى أهله … إنما هو علم الشريعة، ولا يدخل في ذلك العلوم الدنيوية كالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء ولا سائر العلوم الدنيوية. وذلك لأن العلم الذي وردت النصوص في الثناء عليه هو ميراث الأنبياء. والأنبياء لم يورّثوا العلوم الدنيوية، إنما ورّثوا علوم الشريعة. ولكن العلوم الدنيوية قد يؤجر الإنسان عليها إذا صحّت نيته، لنفع المسلمين ونحو ذلك، ولذلك لا مقارنة بين من يطلب العلم الشرعي ومن يطلب العلوم الدنيوية.

 

وتوجه الإنسان لطلب العلم الشرعي، علامة وأمارة أنه أريد به الخير. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين”. تأملوا يا إخوان هذا الحديث العظيم، ومفهوم هذا الحديث .. أن من لا يُراد به الخير، لا يفقّه في الدين. والإنسان مهما كان عليه من القوة في العبادة، لا يستطيع أن يعبد الله عز وجل كما يحب الله إلا عن طريق العلم.

 

والكلام عن فضل العلم يطول، ومن أحسن من تكلم عن هذا ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة، عندما عقد مقارنة بين العلم والمال، وأن العلم أفضل من المال بأكثر من مائة وخمسون وجهاً، فأنصح بقراءة الكتاب والوجوه التي ذكرها، فقد أتى بالعجب العجاب.

 

أستشهد الله تعالى بأولو العلم على أعظم مشهود، قال تعالى:(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ)، فذكر الله ثلاث شهادات وهي الله، والملائكة، وأولو العلم. وقد ذكر العلماء أدلة عظيمة في هذا وهي مما تقوي الإيمان، وتزيد الإيمان واليقين. ومن أفضل ما صُنّف في هذا كتاب دلائل التوحيد للقاسمي، وهو كتاب قيّم أنصح بقراءته.

 

ننتقل لآداب طالب العلم، والكلام عنها يطول، ونختصرها في التالي:

إخلاص النية لله عز وجل. وهذا الشرط لا بد منه، وإلا تحول هذا العلم إلى وبال على الإنسان يوم القيامة. والدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: “أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ثلاثة”، ذكر منهم “رجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار”. فهذا الإنسان لو أنه سلم من هذا العلم لكان خيراً له، فعلمه هذا أصبح وبالاً عليه. وقيل للإمام أحمد كيف يكون إخلاص النية لطالب العلم، قال أن تنوي رفع الجهل عن نفسك، وعن غيرك، وألا تريد بهذا العلم رياء ولا سمعة، ولا يقال هو عالم أو هو قارئ.

 

ولكني أطرح مسألة فقهية هي الآن مما تعم به البلوى وهي التشريك في النية، كالرغبة في تعلم العلم الشرعي لله والشهادة (كشهادة كلية الشريعة) وبعض المنافع الدنيوية من غير الرياء الذي يُبطل العمل، فالصحيح أنها لا تؤثر ولا بأس بها، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى عن نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).

 

ومن الآداب، العمل بما يعلم. فلابد أن يظهر أثر هذا العلم على طالب العلم، في تعبده لله وأخلاقه وسمته وسلوكه. فتجد بعض طلاب العلم من ذوو العلم الغزير لكنه تفوته صلاة الفجر أكثر أيام الأسبوع. أو أنه يوم الجمعة لا يأتي إلا بعد دخول الخطيب أو نحو ذلك. إذاً ما فائدة هذا العلم؟ لابد أن نرى أثره على الإنسان.

 

وشخصية طالب العلم مهمة جداً، فنجد ربما عالم كبير ولسبب في شخصيته، يحرم الناس من علمه، والناس بطبيعتها تنفر من سيء الأخلاق. قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

 

وقد يكون طالب العلم لديه شيء من الإندفاع والغلو، أو من التسامح والتساهل، وكلاهما مذموم. لذا نرى أن أكثر طلاب العلم الذين ينفع الله بهم هم من كانت شخصيتهم معتدلة، يتّبع الدليل من الكتاب والسنة من غير غلو ومن غير تساهل.

 

ومن الآداب أن يدعو إلى الله عز وجل. فكم أعداد طلاب العلم الذين تخرجهم هذه الكلية (كلية الشريعة)؟ وما أثرهم في المجتمع؟. لدينا في المملكة العربية السعودية (16) كلية شريعة، غير كليات أصول الدين والدراسات الإسلامية… فلابد أن يظهر أثر طالب العلم في المجتمع. أولاً، في أسرته الصغيرة. ثانياً، بين أقاربه وزملائه وجيرانه. والمفترض أن يُعرف طالب العلم في الحي ويقصد بالسؤال والاستفسار، وهو المرجع فيما يتعلق بأمور الحي. فالعلماء وأهل العلم هم قادة المجتمع، لا نجعل العامة هم الذين يقودون المجتمع. فعلى طالب العلم أن يفرض نفسه في المسجد، ويأتي مبكراً، ويكون ذو علاقة طيبة مع جيرانه يحبونه ويألفونه ويكون له أثر، ككلمة يلقيها يكون لها أثر في تقوية العلاقات الاجتماعية لأهل الحي، وأن يجعل دورية لأهل الحي يلقى كلمة فيها أو توجيه.

 

وبعض طلاب العلم يقول من أنا حتى أدعو إلى الله؟ نقول هذا التواضع المبالغ فيه.. من الشيطان. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “بلغوا عني ولو آية”. المهم أن تكون دعوتك إلى الله على بصيرة. وبإمكانك الدعوة إلى الله بأمور كثيرة، كحث الناس على الصلاة، وصلة الرحم، وعلى أمور الخير، وغيرها. لكن المهم وجود الهمّة لدى طالب العلم.

 

ولطلب العلم طريقان كما ذكر الشاطري: أخذ العلم عن أهله، والإجتهاد الشخصي. فالأول أنفع الطريقين وهو المذكور عن أكثر السلف، وتختصر لك الوقت والجهد، لأخذك خلاصة ما عند العالم. أما الاجتهاد الشخصي من حفظ وقراءة وإطلاع فلابد منه.

 

ومن الآداب كذلك الإرتباط بالعلماء ومن عرف بالعلم والخير والصلاح. فتجد بعض طلاب العلم على طرفين، إما لا يلقي للعلماء بالاً، ويصدر من رأسه، يفتح الكتب ويقرأ ثم يقدح من رأسه، وهذا على خطر عظيم أن تزل به القدم. وكما ترون الآن من صراعات فكرية نتاج هذا التوجه، لأن الإنسان مهما كان بشر ولا يزكي نفسه ويحترم آراء غيره من أهل العلم. والطرف الآخر يلغي شخصيته وهذا غلط، حيث ينبغي لطالب العلم أن يكون ذو شخصية للنظر في الأقوال والأدلة مع التواضع. ولذلك من يقع في الفتنة كالتكفير وغيرها، تجد أن الصفة المشتركة بينهم هي عدم ارتباطهم بالعلماء، ومن يأتيهم ويزهّدهم في العلماء، وهذا من قديم الزمان، كالخوارج الذين قتلوا عثمان وعلي رضي الله عنهما، وأنصح يا اخوان بقراءة هذا التاريخ، لأن الآن ما أشبه الليلة بالبارحة. فالذي قتل علي بن أبي طالب كان عابداً ويقال يرى على وجهه أثر السجود، وقتل علي قائلاً هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله تعالى! على الرغم من وجود كبار علماء الصحابة آنذاك، أين هؤلاء عنهم؟ أتى عبدالله بن سبأ وبث هذه الفتنة، وأسقط هؤلاء العلماء في نفوس العامة. قال هؤلاء علماء سلطان ومداهنون، فحصلت الفتنة. من السهل أن تسقط أي أحد، لكن أثرها كبير ومدمر. لذلك ينبغي فيما بيننا التواصي بإحترام أهل العلم، حتى لو أخطأ عالم من العلماء ينبغي أن يعتذر عنه، وأن يُنظر للعلم الذي يحمله، لأن تعظيمك للعالم هو تعظيمك لشريعة الله عز وجل.

 

وينبغي يا اخوان أن الإنسان إذا أشكلت عليه مسألة، أن يرجع لأهل العلم، ويرجع لمن يكشفها، ويحرص على طلب الحق. أحد الناس كان بيني وبينه نقاش في مسألة الولاء والبراء، فقلت ومن فعل ذلك تقية، هل ترى ذلك يسوئه؟ قال لا. فقلت وإن أعطيتك دليلاً من القرآن؟ قال لا يوجد! فقرأت عليه قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، فقال لم أعلم عن هذه الآية!

 

والمهم أن يكون الإنسان صادق مع الله، فكما حصل ليوسف عليه السلام، حيث اجتمعت في حقه جميع مقومات الإغراء والإثارة، فقد كان من الرقيق، ودعته سيدته وكانت جميلة جداً، وفوق ذلك تزينت له وغلقت الأبواب، وهو شاب في منتهى القوة والرجولة. لكن الله عصمه، لماذا؟ (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، لصدقه مع الله صرف الله عنه الفاحشة، وقال صلى الله عليه وسلم: “احفظ الله يحفظك”.

 

الكلام عن آداب طالب العلم يطول، وأنصح بقراءة الكتب ومن أفضلها وأنفعها كتاب شرح الشيخ محمد العثيمين على حلية طالب العلم (رابط الكتاب)، وكذلك مقدمة المجموع للنووي، وأن يتم تطبيق هذه الآداب، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الفقه في الدين والعلم النافع. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[ عدد التعليقات:لا يوجد ] [ 3٬214 مشاهدة ] [التصنيف: غير مصنف] [طباعة ]

عودة للصفحة الرئيسية       

زاوية التعليقات والملاحظات

(لا تعبّر بالضرورة عن توجه الموقع وانما عن رأي صاحبها فقط)




التعليقات الخارجة عن الموضوع أو التي تسيئ للآخرين سيتم حذفها فورا.